حيدر حب الله
193
شمول الشريعة
الإنسانيّة محدودة بحدود يمنع تخطّيها ، وهذا مفهوم متساوي النسبة إلى كلّ من وجود أحكام لكلّ شيء بالمفهوم المدرسي للشموليّة ، وإلى ترك مساحة وسطى بين الحدود ، لكي يقوم الإنسان بالتنظيم فيها ، والتقنين لها ، بما يخدم حركته داخل الحدود ولا يتعدّى حدود الله . بل يمكن أن نضيف هنا أنّ هذه الرواية تُثبت الحدود لكلّ شيء ، لكنّها لا تُثبت أنّ هذه الحدود شرعيّة ، ومن ثم فالقائل بعدم شمولية الشريعة بإمكانه أن يقول : إنّ الشريعة لم تتدخّل في بعض المساحات ، وتركتها للتجربة الإنسانيّة لكي تسنّ فيها القوانين ، وهذا يعني أنّ القوانين البشريّة التواضعيّة تصبح حدوداً هنا للشيء ولو ضمن مدّة زمنيّة محدّدة ، فتكون بنفسها داخلةً تحت عموميّة صحيح سماعة ، ومن تعدّى هذا الحدّ فيكون معاقباً أو يترتب عليه أثر قانوني ، فتركيبة صحيح سماعة أعم من الحدّ الشرعي المباشر والحدّ العقلاني البشري ، ما لم نضم لها سائر الروايات فيحصل انصراف . الرواية التاسعة : خبر عمر ( عمرو ) بن قيس الماصر ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : سمعته يقول : إنّ الله تبارك وتعالى لم يدع شيئاً يحتاج إليه الأمّة إلا أنزله في كتابه وبيّنه لرسوله صلى الله عليه وآله ، وجعل لكلّ شيء حدّاً ، وجعل عليه دليلًا يدلّ عليه ، وجعل على من تعدّى ذلك الحدّ حدّاً « 1 » . وهذا الخبر : أ - أمّا من الناحية السنديّة ، فهو ضعيف بعدم ثبوت وثاقة الحسين بن المنذر الذي هو مخرج هذا الحديث في المصادر المتعدّدة ، حيث لم ترد فيه توثيقات ، ورواياته قليلة جداً . ب - وأمّا من الناحية الدلاليّة ، فالحديث يجمع بين تعبير ( تبيين كلّ شيء ) وبين مفهوم الحدود ، فقد يصلح قرينة على فهم الحدود بمعنى الأحكام ، لكنّه غير متعيّن ؛ إذ يمكن فهم الأمرين معاً من الحديث ، بحيث يريد التأكيد عليهما معاً بنحو الانضمام ، فلا دلالة صريحة فيه على المدّعى هنا . الرواية العاشرة : خبر عمرو بن قيس ، قال : قال أبو عبد الله عليه السلام : يا عمرو بن قيس ، أشعرت أنّ الله عز وجل أرسل رسولًا وأنزل عليه كتاباً وأنزل في الكتاب كلّ ما يحتاج إليه ، وجعل له دليلًا يدلّ عليه ، وجعلّ لكلّ شيء حدّاً ولمن جاوز الحدّ حدّاً ؟ قال : قلت : أرسل
--> ( 1 ) الكافي 1 : 59 ، و 7 : 176 ؛ وتفسير العياشي 1 : 6 ؛ وبصائر الدرجات : 26 .